قد يبدو لكم أن قصة “إنفيديا” (Nvidia) أصبحت متجاوزة في سوق الأسهم، خصوصاً مع تلك الأسهم المرتبطة بقطاع الذاكرة التي طارت في السماء وسجلت ارتفاعات بأرقام ثلاثية هذا العام. لكن، وباش نكونو واقعيين، يكفي أن نتذكر أن القيمة السوقية لهذه الشركة وحدها تتجاوز المؤشرات الرئيسية لبورصات ألمانيا وفرنسا مجتمعة. هذا هو السبب الذي سيجعل عيون المستثمرين مسمرة اليوم على شركة “جينسن هوانغ” مباشرة بعد إغلاق السوق. “وول ستريت” تنتظر حلقة جديدة من سلسلة النتائج القوية لشركات الرقاقات، في وقت تقوم فيه حيتان التكنولوجيا برش أموال طائلة لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
الأرقام التي ستعلن عنها الشركة عن ربعها المالي الأول ستعطينا الصورة الأوضح حول ما إذا كانت فورة الذكاء الاصطناعي، التي جعلت دفتر طلبيات إنفيديا يفيض عن آخره، ما زالت تحتفظ بزخمها. السهم تسلق بهدوء قبل صدور هذا التقرير، ووصل إلى قمة تاريخية في 14 ماي حين أغلق عند 235.74 دولاراً، ورغم أنه تراجع قليلاً بعد ذلك، إلا أنه لا يزال مرتفعاً بحوالي 19% منذ بداية العام، ليتفوق بأشواط على الأداء العام للسوق.
ورغم أن العناوين العريضة للإيرادات والأرباح هي التي ستخطف الأنظار في البداية، كاينين شي تفاصيل في عمق التقرير تقدر تكون عندها أهمية أكبر، خصوصاً النظرة المستقبلية للربع القادم. هنا يمكننا التركيز على ثلاثة محاور رئيسية:
السقف الذي يجب تجاوزه
إنفيديا كانت قد رسمت سقفاً لتوقعاتها في شهر فبراير، حيث راهنت على تحقيق إيرادات تقارب 78 مليار دولار في الربع المالي الأول (بهامش خطأ 2%). هذا الرقم يعكس نمواً يقارب 77% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وهي وتيرة نمو غادية وكتسارع بشكل ملحوظ: 56% في الربع الثاني من العام المالي الماضي، 62% في الربع الثالث، 73% في الرابع، والآن 77%.
لكن الرهان الحقيقي يكمن في الربع الحالي. توقعات السوق تشير إلى حوالي 87 مليار دولار. إذا جاءت تقديرات الإدارة أقل من هذا الرقم بكثير، حتى لو كان الربع الأول إيجابياً، فإن السوق سيقرأ ذلك كأول إشارة على أن الطلب على الذكاء الاصطناعي بدأ يفقد حرارته، وحينها السهم يقدر ياكل الدق. ولا ننسى أن إنفيديا، ابتداءً من هذا الربع، بدأت تدرج التعويضات بالأسهم ضمن مقاييسها غير المتوافقة مع المبادئ المحاسبية المقبولة عموماً (non-GAAP)، وهو تفصيل محاسباتي يجب وضعه في الحسبان عند المقارنة مع الفترات السابقة.
فيرا روبين: الجيل القادم من إنفيديا
المحور الثاني الذي يجب مراقبته هو الانتقال إلى منصة “فيرا روبين” (Vera Rubin). هذه المنصة، التي تحمل اسم عالمة الفلك الراحلة، تعتبر الجيل الذي سيخلف “بلاك ويل” (Blackwell)، ولا يتم الترويج لها كمجرد تحديث، بل كنقلة نوعية وجيل جديد كلياً من حيث الأداء مقابل استهلاك الطاقة. المديرة المالية، كوليت كريس، صرحت في مكالمة الأرباح الأخيرة بأن الشركة بدأت فعلاً في إرسال العينات الأولى للزبناء، وأن الأمور غادية في الطريق الصحيح لبدء الشحنات التجارية في النصف الثاني من العام. الشركة أكدت على هذا التوجه في مؤتمر GTC في مارس، معلنة عن دخول سبعة رقاقات جديدة مرحلة الإنتاج الكامل، وأن أنظمة Vera Rubin NVL72 ستنطلق من مزودي الخدمات السحابية في النصف الثاني من العام.
الصين: فرصة ومخاطرة في نفس الوقت
أما بالنسبة للصين، فالصورة تغيرت. في تقرير الربع الرابع، كانت إنفيديا واضحة وصريحة بأنها لا تتوقع “أي إيرادات من مراكز البيانات في الصين” في توقعات الربع الأول. لكن اللعب تبدل الآن. في منتصف شهر يناير الماضي، قامت إدارة ترامب بتخفيف القيود المفروضة على تصدير رقاقة H200، مع السماح بموافقات تدرس كل حالة على حدة مقترنة بتعريفة جمركية تبلغ 25%. المدير التنفيذي جينسن هوانغ صرح لـ “بلومبرغ” في وقت سابق من هذا الأسبوع قائلاً: “مع مرور الوقت، السوق غادي يتحل”.
السؤال هنا: هل ستدمج إنفيديا هذه المتغيرات الجديدة في توقعاتها المستقبلية، أم أنها ستفضل “شد العصا من الوسط” وتلعب بحذر؟ هذا واحد من أكبر التساؤلات المعلقة التي ستجيب عنها النتائج.
الشيء المؤكد قبل قراءة هذا التقرير هو أن النهم تجاه الذكاء الاصطناعي يبدو وكأنه لا يشبع، على الأقل في الوقت الراهن. الميزانيات المشتركة المخصصة للاستثمار الرأسمالي (Capex) لعام 2026 من طرف عمالقة مثل أمازون، مايكروسوفت، ألفابت، وميتا، تقفز الآن لتصل إلى حوالي 725 مليار دولار، مقارنة بـ 410 مليار دولار في العام الذي سبقه. هذه الأموال الضخمة هي الأساس المتين الذي تبنى عليه قصة نمو إنفيديا.
بمكرر ربحية (P/E) يبلغ 45، لا يمكن القول بأن أسهم إنفيديا رخيصة قبل الإعلان عن النتائج. ولكن في ظل نمو لا يزال يتسارع، وخطط إنفاق مجنونة من طرف كبرى شركات التكنولوجيا، فإن عملاق الرقاقات هذا يمتلك كل المقومات لإسكات المشككين مرة أخرى. مهما كان السيناريو، فالأمر الواضح هو أن سقف التوقعات جد مرتفع.

