في مشهد يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية، واصل المعدن الأصفر مساره التصاعدي محطماً الأرقام القياسية، حيث اخترقت أسعار الذهب حاجز 5200 دولار للأوقية، مستفيدة من هبوط الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ ما يقارب الأربع سنوات. ويأتي هذا الصعود اللافت قبيل خطاب منتظر لجيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وفي ظل تقلبات جيوسياسية تزيد من جاذبية الملاذات الآمنة.
سجلت العقود الآجلة في نيويورك قفزة قوية بنسبة 4.1% لتستقر عند 5291.40 دولاراً للأونصة، بعد أن لامست سقف 5295.20 دولاراً في وقت سابق من الجلسة. وتزامن هذا “الرالي” مع تراجع مؤشر الدولار بنسبة 0.2% ليصل إلى مستوى 96.05، وهو ما جعل المعادن النفيسة أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى، خصوصاً بعد تصريحات الرئيس دونالد ترامب التي قلل فيها من شأن انخفاض العملة الأمريكية، مشيراً إلى عدم قلقه من هذا المنحنى الهبوطي.
عوامل سياسية وتجارية تؤجج الأسواق
لا يمكن عزل هذا الصعود الجنوني عن المناخ العام المتوتر؛ فقد زادت المخاوف بعد إعلان الرئيس ترامب عن خطط لفرض رسوم جمركية جديدة على الواردات من كوريا الجنوبية، بالتوازي مع شبح إغلاق جزئي للحكومة الأمريكية يلوح في الأفق مع اقتراب الموعد النهائي للتمويل في 30 يناير. هذه العوامل مجتمعة، بالإضافة إلى توقعات خفض الفائدة الأمريكية، دفعت الذهب لتحقيق مكاسب تجاوزت 18% منذ بداية العام، ليعزز بذلك مسيرة الأرقام القياسية التي بدأها العام الماضي.
ويرى مايكل ويدمر، استراتيجي السلع في “بنك أوف أمريكا”، أن الارتفاعات في الأسواق تنتهي عادة عندما تختفي الأسباب التي دفعت المستثمرين للدخول، لكن الوضع الحالي مختلف تماماً، حيث لا تزال المحفزات قائمة وبقوة. وتتوجه الأنظار حالياً صوب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، وسط قلق متزايد بشأن استقلالية البنك المركزي.
راي داليو: الذهب أصبح “العملة الثانية” عالمياً
في قراءة أعمق للمشهد، يعتبر الملياردير راي داليو، مؤسس “بريدج ووتر”، أن تحول البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية من سندات الخزانة الأمريكية نحو الذهب ليس مفاجئاً، بل هو استجابة طبيعية للحظة تاريخية وصفها بالخطيرة. وفي حديثه خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أشار داليو إلى تقاطع أزمات الديون والتدفقات المالية مع الصراعات الدولية.
يؤكد داليو أن دورة الدين تعمل بنفس الآلية سواء للأفراد أو الدول، مع فارق جوهري هو قدرة الحكومات على طباعة الأموال. فعندما تتضخم الديون وخدمتها، تبدأ المشاكل المالية في خنق الإنفاق. ومع وجود تخمة في الديون العالمية المعروضة للبيع، يطرح داليو تساؤلاً جوهرياً: “من سيرغب في شراء المزيد؟”.
هنا يبرز الذهب كبديل استراتيجي؛ إذ يوضح داليو أننا نعيش مرحلة تتجاوز “الحروب التجارية” لتصل إلى “حروب رؤوس الأموال”. المستثمرون وحملة الديون المقومة بالدولار باتوا يستشعرون الخطر، سواء بسبب اختلال العرض والطلب أو بسبب البيئة الشبيهة بالحرب. ويضيف: “لو كنت مكان الصين، ألن تقلق من احتمالية تعرضك لعقوبات؟”. هذا التغير في حسابات المخاطر يفسر بوضوح تحول البنوك المركزية نحو الذهب الذي بات، بحسب وصفه، ثاني أكبر عملة في العالم.
المال الصلب في مواجهة العملات الورقية
يرى داليو أن الذهب ليس مجرد أصل للمضاربة، بل هو “نقد أساسي” وأكثر أماناً من العملات الورقية التي لا تدعمها أصول ملموسة. وينصح المستثمرين بتخصيص ما بين 5% إلى 15% من محافظهم للذهب، وقد تزيد النسبة في أوقات الحروب أو عند انخفاض قيمة العملات “الإلزامية” (Fiat).
واستحضر داليو التاريخ المالي، مشيراً إلى أن الأنظمة النقدية تنهار عادة عندما ترتبط العملات المدعومة بأصول (كالذهب) بديون ضخمة لا يمكن الوفاء بها. فإما أن تلتزم الدول بغطاء الذهب مما يؤدي لكساد وتخلف عن السداد، أو تفك ارتباطها لتطبع الأموال، وهو ما يقود حتماً لخفض قيمة العملة وارتفاع التضخم وأسعار الذهب، وهو السيناريو الذي ساد بعد تأسيس البنوك المركزية.
توقعات مستقبلية وقفزة الفضة
على صعيد التوقعات، رفع كل من “دويتشه بنك” و”سوسيتيه جنرال” سقف توقعاتهم، مرجحين وصول الذهب إلى مستوى 6000 دولار للأوقية بحلول نهاية العام. ويعكس حجم التداول في مجموعة “CME” هذا الزخم، حيث سجلت تداولات المعادن رقماً قياسياً يومياً بلغ أكثر من 3.3 مليون عقد في 26 يناير، متجاوزاً الرقم السابق المسجل في أكتوبر 2025.
ولم يكن الذهب وحيداً في هذا الصعود؛ فقد لحقت به الفضة التي قفزت أسعارها الفورية بنسبة 7.7% لتصل إلى 111.84 دولاراً للأوقية، بعد أن سجلت رقماً قياسياً عند 117.69 دولاراً. وحققت الفضة مكاسب مذهلة تجاوزت 57% منذ بداية العام، مواصلةً أداءها القوي بعد مكاسب العام الماضي التي بلغت 146%، مما أدى إلى انخفاض نسبة الذهب إلى الفضة في الأسواق.

