يحتل الزيت مكانة مركزية لا غنى عنها سواء في النظام الغذائي للأسر أو في التوازنات الاقتصادية للدول، وبينما يسود اعتقاد راسخ لدى الغالبية بأن زيت الزيتون هو الخيار الأوحد والآمن لكل أنواع الطهي، تكشف الحقائق العلمية والاقتصادية عن مشهد أكثر تعقيداً؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بما هو “صحي”، بل بمدى ملاءمة الزيت للحرارة من جهة، وبمدى تأثر أسعاره وتوافره بتقلبات الأسواق العالمية من جهة أخرى، ليرسم هذا المكون الحيوي خارطة طريق تمتد من قنينة المطبخ الصغير إلى براميل التصدير الكبرى.
بين جودة المذاق ونقطة الاحتراق
أوضحت تقارير متخصصة، استندت إلى آراء خبراء تغذية ونشرتها مجلة “تايم”، أن المعيار الحقيقي لاختيار الزيت لا يكمن في اسمه التجاري فحسب، بل في “نقطة الدخان”، وهي تلك اللحظة الحرجة التي يبدأ فيها الزيت بإطلاق دخان ينذر بتحلل مكوناته وفقدان فوائده، بل وتحوله إلى مادة قد تضر بالصحة وتفسد نكهة الطعام.
وفي هذا السياق، يبقى زيت الزيتون البكر الممتاز متربعاً على عرش الخيارات الصحية بفضل غناه بالدهون الأحادية غير المشبعة المفيدة للقلب، لكن الخبراء ينصحون بقصر استخدامه على الوجبات ذات الحرارة المنخفضة أو المتوسطة نظراً لنقطة تدخينه المتواضعة، وهنا يبرز زيت الأفوكادو كبديل استراتيجي للطهي في درجات حرارة عالية، إذ يجمع بين الفوائد الصحية والقدرة على تحمل الحرارة دون التأثير على طعم الطعام، رغم تكلفته المرتفعة.
وتتنوع الخيارات لتشمل زيت الكانولا وزيت عباد الشمس الغني بفيتامين “E” وزيت الفول السوداني، وجميعها تمتاز بنقاط دخان مرتفعة تجعلها ملائمة للطهي القوي، في حين يُنصح بالتعامل بحذر مع زيت جوز الهند لارتفاع نسبة الدهون المشبعة فيه، وتجنب تعريض زيوت مثل الجوز وبذور الكتان للنار تماماً، حيث يفضل استخدامها باردة للاستفادة من أحماض أوميغا الدهنية فيها، بينما يقدم زيت السمسم خياراً متوازناً للأطباق التي تتطلب حرارة عالية ونكهة مميزة.
المشهد الاقتصادي وتجاذبات السوق
وعلى الضفة الأخرى من هذا المشهد، لا تنفصل القيمة الغذائية لهذه الزيوت عن قيمتها السوقية، حيث تشهد أسواق الزيوت النباتية، وتحديداً زيت النخيل الماليزي، حراكاً لا يهدأ يعكس ترابط سلاسل التوريد العالمية. فقد سجلت العقود الآجلة لزيت النخيل ارتفاعاً ملحوظاً مدفوعاً ببيانات قوية للصادرات وملاحقةً لمكاسب الزيوت المنافسة كزيت الصويا، مما يؤكد أن ما يحدث في مطابخ العالم يتأثر مباشرة بما يدور في قاعات التداول.
ولا يتحرك زيت النخيل منفرداً في هذا المضمار، بل يقتفي أثر الزيوت الغذائية الأخرى وأسعار النفط الخام؛ فارتفاع أسعار الطاقة يجعل من الزيوت النباتية خياراً جذاباً لإنتاج “الديزل الحيوي”، مما يخلق طلباً صناعياً يرفع الأسعار، إلا أن هذه المكاسب تواجه تحدياً يتمثل في قوة العملة المحلية (الرينغيت الماليزي)، التي تجعل السلعة أغلى ثمناً للمشترين بالعملات الأجنبية، مما يكبح جماح الصعود ويضع سقفاً للمكاسب.
وتشير التحليلات الفنية للأسواق إلى احتمالية حدوث تراجع تصحيحي للأسعار قرب مستويات 4201-4215 رينغيت للطن، في دلالة واضحة على أن عالم الزيوت محكوم بمعادلة دقيقة؛ طرفها الأول وعي المستهلك بخصائص الزيت الصحية ونقطة تدخينه، وطرفها الثاني قوى العرض والطلب وأسعار الصرف التي تحدد تكلفة وصول هذا “الذهب السائل” إلى الموائد.


