صراع العمالقة على الهيمنة هل تسبق شركة “أوبن إي آي” غريمتها “أمازون” في ابتكار مساعد منزلي يحاكي “أليكسا”، أم تنجح الأخيرة في استنساخ عبقرية “شات جي بي تي” أولا؟ المعادلة أعقد مما تبدو عليه في ظاهرها. تتحدث التسريبات عن نية أمازون ضخ استثمار فلكي قد يبلغ 50 مليار دولار في جولة التمويل الجديدة لشركة “أوبن إي آي”. خطوة تثير الاستغراب بالنظر للحجم المالي للشركة، وتزيد تعقيدا حين نعلم أن أمازون تظل المساهم الأكبر في “أنثروبيك”، المنافس الأبرز لأوبن إي آي، حيث يجمعهما تحالف وثيق لتشغيل الجيل الجديد من خدمة “أليكسا بلس”. تتضارب المعطيات هنا لتشير إلى إمكانية تطوير “أوبن إي آي” لنماذج مخصصة لمنتجات أمازون المستقبلية.
رؤية جديدة للأجهزة المادية بعيدا عن لغة التحالفات، تعكف “أوبن إي آي” في كواليسها على تطوير أولى أجهزتها الذكية بالتعاون الوثيق مع فريق “جوني إيف” في استوديو “لوف فروم”. المراهنة هنا لا تنصب على ابتكار جهاز قابل للارتداء بمفهومه الكلاسيكي، بل على إيجاد الوعاء الأمثل لاحتضان التكنولوجيا المتقدمة. التوقعات تشير إلى جهاز يشبه مسجلات الصوت المألوفة لدى الصحفيين، لكنه مزود بكاميرا دقيقة، ويعمل بنموذج “GPT-4o” القادر على معالجة الصوت والصورة بسلاسة مطلقة للتعرف على المحيط والتفاعل معه. رؤية تستلهم الخيال العلمي المستوحى من فيلم “Her”، وهو مرجع أشار إليه سام ألتمان صراحة وكلفه بعض الانتقادات. رغم هذا الطموح المعلن لتجاوز الهواتف الذكية، يبدو أن هذه الأجهزة المبتكرة ستقتصر في بداياتها على تعزيز مكانة الهاتف كمركز تحكم رئيسي، على الأقل حتى تصبح النماذج قادرة على العمل محليا بكفاءة عالية.
تحولات سياسية تواكب التطور التكنولوجي تتزامن هذه القفزات التكنولوجية الكبرى مع اهتمام سياسي متزايد واستثنائي. الإدارة الأمريكية في عهد ترمب تتجه نحو إحداث منصب مستحدث في البيت الأبيض يعنى حصريا بإدارة ملفي الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة. يعكس هذا التوجه الأهمية الاستراتيجية القصوى التي باتت تحظى بها هذه التقنيات في رسم معالم الاقتصاد والأمن القومي.
الجانب المظلم والمخاطر الأمنية وسط هذا الزخم المحموم لتطوير الأجهزة والنماذج، تبرز إلى الواجهة تحديات أمنية بالغة الخطورة لا يمكن غض الطرف عنها. تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى ثغرات مدمرة إذا غابت الإدارة السليمة. المثير للاهتمام أن “شات جي بي تي” ذاته، حين سُئل عن مخاطر هذه التكنولوجيا، قدم إجابات واضحة. أقر النظام الآلي بأن هذه البرمجيات قد تُستغل كأداة فعالة لنشر التضليل الإعلامي واختلاق أخبار زائفة يصعب تمييزها عن الواقع. يمتد الخطر ليشمل الأمن السيبراني حيث يمكن توظيف هذه النماذج الذكية في هندسة هجمات اجتماعية معقدة، عبر صياغة رسائل بريد احتيالية أو حملات تصيد إلكتروني بأسلوب مقنع ومحكم للغاية. يظل هاجس تسريب المعطيات الحساسة قائما بقوة في حال مشاركة المستخدمين لمعلومات سرية خلال جلسات الدردشة. يحذر التطبيق كذلك من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات في التواصل وإنجاز المهام الفكرية يؤدي تدريجيا إلى تآكل القدرات المعرفية للمستخدمين وإضعاف مهاراتهم في حل المشكلات.
استراتيجيات الوقاية والحماية لمواجهة هذه التهديدات المتصاعدة، تبرز الحاجة الملحة لتبني خطوات وقائية صارمة. يتطلب الأمر أولا تقييد ولوج هذه التطبيقات إلى قواعد المعطيات الحساسة لحمايتها من أي استغلال عشوائي. أضحى من الضروري اليوم تكوين الأفراد وتوعيتهم بآليات الاستخدام المسؤول، مع التشديد على الامتناع التام عن إدراج معلومات شخصية أو سرية في واجهات الدردشة الآلية. يجب على المؤسسات الاستعانة بتقنيات رديفة تعمل كدرع حماية لمنع الأنظمة من توليد أو تمرير أي محتوى ضار.

